عبد الرحمن السهيلي

77

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

كبير في صدوركم ، فلا بد لكم من الفناء والله أعلم بتأويل ذلك ، وقد بقي في نفسي من تأويل هذه الآية شيء ، حتى يكمل الله نعمته بفهمها إن شاء الله تعالى وقوله سبحانه : « وَلَّوْا على أدبارهم نُفُوراً » يجوز أن يكون : نفوراً : جمع نافر ، فيكون نصباً على الحال ، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لوَلَّوا . ومما أنزل الله في استماعهم : « ومنهم مَنْ يَسْتَمِعُون إليك أفأنت تُسْمع الصُّمَّ » يونس ألا ترى كيف جمع يستمعون ، والحمل على اللفظ إذا قرب منه أحسن ، ألا ترى إلى قوله سبحانه : « وَمَنْ يُسْلِمْ وجْهَه إلى اللّه » فأفرد ، حملاً على لفظ من ، وقال في آخر الآية : ولا خوف عليهم ، فجمع حملاً على المعنى ، لما بعد عن اللفظ ، وهكذا كان القياس في قوله : « ومنهم مَنْ يَسْتَمِعُون » ، ولكن لما كانوا جماعة ، ونزلت الآية فيهم بأعيانهم ، صار المعنى : ومنهم نفر يستمعون ، يعني أولئك النفر ، وهم أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ، ألا ترى كيف قال بعد : « ومنهم مَنْ ينظر إليك » فأفرد حملاً على اللفظ لارتفاع السبب المتقدم ، والله أعلم . بحث في الإكراه على الكفر ، وعلى المعصية : فصل : وذكر تعذيب من أسلم وطرحهم في الرمضاء ، وكانوا يلبسونهم أدراع الحديد ، حتى أعطوهم بألسنتهم ما سألوا من كلمة الكفر إلا بلالاً رحمه الله وأنزل الله فيهم : « إلاَّ مَنْ أُكْرِه وقَلْبُهُ مُطْمئِنٌّ بالإيمان » ونزل في عمار وأبيه : « إلاَّ أنْ تَتَّقُوا منهم تُقَاةً » ولما كان الإيمان أصله في القلب ، رخص للمؤمن في حال الإكراه أن يقول بلسانه إذا خاف على نفسه حتى يأمن . قال ابن مسعود : ما من كلمة تدفع عني سوطين إلا قلتها هذا في القول ، فأما الفعل ، فتنقسم فيه الحال : فمنه ما لا خلاف في جوازه كشرب الخمر ، إذا خاف على نفسه القتل ، وإن لم يخف إلا ما دون القتل ، فالصبر له أفضل ، وإن لم يخف في ذلك إلا كسجن يوم ، أو طرف من الهوان خفيف ، فلا تحل له المعصية من أجل ذلك ، وأما الإكراه على القتل ، فلا خلاف في حظره ؛ لأنه إنما رخص له فيما دون القتل ، ليدفع بذلك قتل نفس مؤمنة ، وهي نفسه ، فأما إذا دفع عن نفسه بنفس أخرى ، فلا رخصة ، واختلف في الإكراه على الزنى ، فذكر عن ابن الماجشون أنه قال : لا رخصة فيه ؛ لأنه لا ينتشر له إلا عن إرادة في القلب أو شهوة ، وأفعال القلب لا تباح مع الإكراه ، وقال غيره : بل يرخص في ذلك لمن خاف القتل ، لأن انبعاث الشهوة عند المماسة بمنزلة انبعاث الشهوة عند المماسة بمنزلة انبعاث اللعاب عند مضغ الطعام ، وقد يجوز أكل الحرام إذا أكره عليه . فصل : واختلف الأصوليون في مسألة من الإكراه ، وهي : هل المكره على الفعل مخاطب بالفعل ، أم لا ؟ فقالت المعتزلة : لا يصح الأمر بالفعل مع الإكراه عليه ، وقالت الأشعرية : ذلك جائز ؛ لأن العزم إنما هو فعل القلب ، وقد يتصور منه في ذلك الحين العزم والنية ، وهي القصد إلى امتثال أمر الله تعالى ، وإن كان ظاهره أنه يفعله خوفاً من الناس ، وذلك إذا أكره على فرض كالصلاة مثلاً ، إذا قيل : صلى الله عليه وآله وسلم وإلا قتلت ، وأما إذا قيل له : إن صليت